روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
17
عرائس البيان في حقائق القرآن
العالمين في صفات اللّه ، وبرحمته أدركت عقول المؤمنين شواهد ما أشهدهم اللّه من بيان اللّه . وقيل بإلهيته تفرّدت قلوب عباد اللّه ، وبتعطّفه صفت أرواح محبيه ، وبرحمته ذكرت نفوس عابديه . وقيل : بِسْمِ اللَّهِ : ترياق أعطى للمؤمنين ، يدفع اللّه به عنهم سمّ الدنيا وضررها . وقال جعفر الصادق : « بسم » : للعامة ، و « اللّه » : لخاص الخاص . وقال سهل : « اللّه » : هو اسم اللّه الأعظم الذي حوى الأسماء والأسامي كلها ، وبين الألف واللام منه حرف مكنّي غيب من غيب إلى غيبه ، وسرّ من سرّ إلى سرّه ، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقته ، لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس ، الآخذ من الحلال قواما لضرورة الإيمان . وقيل : من قال بالحروف ، فإنه لم يقل اللّه ؛ لأنه خارج عن الحروف والحسوس ، والأوهام ، والأفهام ، ولكن رضي منّا بذلك ؛ لأنه لا سبيل إلى توحيده من حيث لا حال ولا قال . وحكي أن أبا الحسن النوري بقي في منزله سبعة أيام لم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينم ، ويقول في ولهة ودهشة : اللّه اللّه ، وهو قائم يدور ؛ فأخبر الجنيد ، قال : انظروا محفوظا عليه أوقاته ، فقيل : إنه يصلي الفرائض ، فقال : الحمد للّه الذي لم يجعل للشيطان له سبيلا ، ثم قال : قوموا حتى نزوره إما أن نستفيد منه ، أو نفيده ، فدخل عليه وهو في ولهه ، فقال : يا أبا الحسن ، ما الذي ولهك ؟ قال : أقول : اللّه ، اللّه ، زيدوا عليّ ؛ فقال له الجنيد : انظر هل قولك اللّه اللّه ، أم قولك : إن كان كنت القائل اللّه اللّه ، فلست القائل له ، وإن كنت تقوله بنفسك ، وأنت مع نفسك ، فما معنى الوله ؟ قال : نعم المؤدب كنت ، وسكن من ولهه . أما قوله : الرَّحْمنِ رحم على أوليائه باسمه الرحمن ، بتعريف نفسه لهم ؛ حتى عرفوا به أسماءه ، وصفاته ، وجلاله ، وجماله ، وبه خرجت جميع الكرامات للأبدال والصدّيقين ، وبه تهيأت أسرار المقامات للأصفياء والمقرّبين ، وبه تجلّت أنوار المعارف للأتقياء والعارفين ؛ لأن اسم الرَّحْمنِ مخبر عن خلق الخلق ، وكرمه على جميع الخلق ، وفي اسمه الرَّحْمنِ ترويح أرواح الموحدين ، ومزيد أفراح العارفين ، وتربية أشباح العالمين ، وفيه نزهة المحبين ، وبهجة الشائقين ، وفرحة العاشقين ، وأمان المذنبين ، ورجاء الخائفين . وقال بعضهم : اسمه الرَّحْمنِ حلاوة المنّة ، ومشاهدة القربة ، ومحافظة الحرمة . وقال ابن عطاء : في اسمه الرَّحْمنِ عونه ونصرته . وقوله الرَّحِيمِ : موهبة الخاص لأهل الخاص ، وهو مستند لذوي العثرات ،